Wednesday, March 23, 2011

لحظة الموت

"..أهبط، لا أستطيع أن أصعد. انس الخريطة وانس السيارة واتبع فقط كل الطرق التى تهبط فى اتجاه النهر. اهبط باستمرار! أخيراً أصل حديقة صغيرة على شاطئ النهر. حديقة مهجورة وسط الضباب والبرد. ولكني أجلس لاهثاً. النهر أمامى ممر ساكن من الرصاص والمدينة كتلة رمادية من نقط رجراجة.. لكن صوتاً يخترق الصمت صوتاً مقروراً من البرد... شبح يتدثر بمعطف يجلس إلى جوارى ويسألنى بصوت مرتعش :
-        هل تريد ؟
-        نعم أريد.
-        ماذا تريد ؟
-    أن أفهم. من أكثر من خمسين سنة أحاول أن أفهم. حاول الطفل وحاول الرجل ومات الرجل وكله دون فائدة. مائة سنة لا تكفى.
-        تريد بخمسين أو تريد بمئة أسرع ! الشرطة بعيداً ليست..
(......)
-    أسرع، حشيش مغربى أو أفغانى ؟ بخمسين أو بمائة ؟ (......) أدرت وجهى ولم أره، كان الوجه يترجرج أيضاً. رأيت وجهاً من نقط منمنمة له حاجبان كثان تحت طاقية الرأس فقلت بصوت ضعيف: بيدور !
 
 ولكن هل هو بيدور بالفعل ؟ قبل أن أكمل الاسم كان قد جرى. اختفى. (......) رجع مرة أخرى. رجع بخطوات بطيئة. وكنت أنا أنزلق على المقعد. رغبتى لا تقاوم فى أن أتمدد عليه.
رفعت عينى ولكنه لم يكن بيدور. كان شرطياً، وكان يتحول هو أيضاً إلى نقط منمنمة، راحت تتموج، وراحت تصغر وراحت تغيب. وكان الصوت يأتى من بعيد... يا سيد يا سيد..هل أنت بخير ؟
لم أكن متعباً. كنت أنزلق فى بحر هادئ.. تحملنى على ظهرى موجه ناعمة وصوت نادى عذب. وقلت لنفسى : أهذه هى النهاية؟ ما أجملها ! وكان الصوت يأتى من بعيد. كان الصوت يكرر  يا سيد !... يا سيد ! ولكنه راح يخفت وراح صوت الناى يعلو وكانت الموجة تحملنى بعيداً. تترجرج فى بطء وتهدهدنى. والناى يصحبنى بنغمته الشجية الطويلة إلى السلام وإلى السكينة."

بهاء طاهر
الموت في المنفى

3 Comments:

Blogger Malek El Hazen said...

هل استبدال "الحب" بـ "الموت" خطأ مطبعي أم مقصودة؟
عموماً أنا، بالصدفة، أقرأها الآن.

2:57 AM  
Anonymous Räumung Wien said...

شكرا لكم ..دائما موفقين..))

Räumung - Räumung

3:24 AM  
Anonymous ريوبى said...

موضوع ممتاز
ryobi

5:52 AM  

Post a Comment

<< Home